الشيخ محمد رشيد رضا

26

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الآتي ، وكان أثره حميد انافعا فيها ، تكون النعمة به أتم والمنة أكمل ، ولذلك عبر بالاتمام وذكر الأستاذ الامام من الحكمة في جعل القبلة في أول الأمر بيت المقدس أن الكعبة كانت في أول الاسلام مشغولة بالأصنام والأوثان ، وكان سلطان أهل الشرك متمكنا فيها والامل في انكشافه عنها بعيدا فصرفه اللّه أولا عن استقبال بيت مدنس بعبادة الشرك - وقد كان اللّه أمر إبراهيم بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود - إلى بيت المقدس قبلة اليهود الذين هم أقرب من المشركين إلى ما جاء به من التوحيد والتنزيه . ولما قرب زمن تطهير البيت الحرام من الأصنام والأوثان وعبادتها وإزالة سلطة الوثنيين عنه ، جعله اللّه تعالى قبلة للموحدين ليوجه النفوس اليه فيكون ذلك مقدمة لتطهيره واتمام النعمة بالاستيلاء عليه ، والسير فيه على ملة إبراهيم من التوحيد والعبادة الصحيحة للّه تعالى وحده أقول : ويؤيد ما قرره الأستاذ الامام في تفسير الاتمام وكون تحويل القبلة مقدمة له قوله تعالى بعد ذكر فتح مكة في سورة الفتح ( وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) فكان في الآية بشارة بفتح مكة ونصر اللّه التوحيد على الشرك وما يتلو ذلك من نشر الاسلام ، وانتشار نوره في الأنام ، ولذلك قال في سورة الفتح بعد ما ذكر ( وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ) ثم ذكر سبحانه وتعالى الحكمة الثالثة لتحويل القبلة فقال وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي وليعدكم بذلك إلى الاهتداء بالثبات على الحق والرسوخ فيه ، فان المعارضات والمحاجات تظهر ضعف الباطل وزهوقه ، وتبين قوة الحق وثبوته ، فالحجة تتبختر اتضاحا ، والشبهة تتضاءل افتضاحا ، وقد خلت سنة الكون بأن الفتن تنير الطريق لأهل الحق ، وترخي سدول ظلمته على أهل الباطل ، وتمحص المؤمنين ، وتمحق الكافرين كل انسان يرى نفسه على الحق في الجملة ولكن التمكن في المعرفة والثبات على الحق لا يعرف في الغالب الا إذا وجد للمحق خصم ينازعه ويعارضه في الحق ، هنالك تتوجه قواه إلى تأييد حقه وتمكينه ، ويحس بحاجته إلى المناضلة دونه والثبات عليه ، وكثيرا ما يظهر الباطل الحق بعد خفائه ، فان المعارضة في الحق تحمل صاحبه على تنقيحه وتحريره وتنقيته مما عساه يلتصق به أو يجاوره من غواشي الباطل ، وتجعل